العقل والميتافيزيقا والوجود
كمال غبريال
المواجهة الشاملة الجارية الآن بين شعوب الشرق وباقي العالم، وبالتحديد بينها وبين العالم الغربي ومن ينهج على نهجه، ينظر إليها البعض وكأنها مواجهة بين الدين الإسلامي وبين باقي الأديان والحضارات، ويعتبرها آخرون مواجهة بين الشرق بتراثه وقيمه وبين الإنسان الغربي وحضارته، وهناك من يعتبرونها صراعاً بين محبي الحرية الساعين للحداثة أياً كانت دياناتهم، وبين دعاة التخلف والشمولية عموماً، وهناك أخيراً من يذهب بعيداً في تسطيح الأمر، بإسناد دعوات العداء والكراهية والإرهاب إلى إساءة تفسير النصوص الدينية، وإلى معاناة الإنسان الشرقي من الفقر الذي يشمل سائر متطلبات الحياة، ومن نظم حكمه المستبدة، وما تمارسه من يقهر، لا يمكن أن ينتج إلا إرهاباً.
لا نستهدف تقييم وجهات النظر هذه، وبيان ما فيها من خطأ أو صواب، لأننا نزمع أن نتجاوزها، للبحث في جذور الاختلاف بين البشر، فنتفحص علاقة الإنسان بالكون، ونقصد بالكون كل مظاهر الحياة المادية والبيئية والبيولوجية، فهذه المقاربة تزعم أن الخلاف بين طرفي الصراع الدائر حالياً، هو خلاف في موقف كل من الطرفين من حقائق العالم (بمعناه الوجودي).
الموقف الأولي للإنسان من الوجود كان الخوف، وما يترتب عليه حتماً من عداء، إثر مواجهته للحيوانات الضارية، فور نزوله من صحبة القردة على الأشجار، وخوف من مظاهر الطبيعة وبطشها، وحين اكتسب الإنسان بعض الخبرات في التعامل مع الكون، سواء لدرء ما يتعرض له من شرور، أو لتحصيل ما تتطلبه حياته من منافع، لم تكن تلك الخبرات العملية سوى تأقلم وتوافق مع الكون، ويمكن أن نطلق عليها توصيف مصالحة في مقابل العداء، لكنه توافق ومصالحة جزئية، ولأن الخوف والعداء يسببان حالة دائمة من التوتر، كان من المحتم على الإنسان أن يحاول التغلب على توتره هذا، وقد كان التعامل العملي مع حقائق الكون جزءاً من محاولاته هذه، لكن لأن هذا الجزء كان في البداية ضئيلاً في حجمه وفي معدل تطوره، لجأ الإنسان تحت ضغط توتره إلى حيلة أخرى لتخفيض درجة الخوف والتوتر، وتمثلت هذه الحيلة في تجاوز هذا الواقع، وعبوره إلى ما نعرفه بالميتافيزيقا، يستعين بها على مواجهته المريرة مع الكون، يستمد منها الأمان بتخيل كائنات غير مرئية تحميه وتحرسه، كما يستمد منها العون على تطويع ما يعجز عن تطويعه من مظاهر، تأميناً لحياته واحتياجاته.
بدأ الإنسان رحلة تجاوزه للكون الذي يناصبه العداء، بعبادة ما كان يخشى أو يعادي من مظاهر كونية، فعبد قوى الطبيعة والحيوانات التي يخشاها، وكلمة "عبادة" مشتقة في اللغة العربية من الاستعباد، بمعنى إقرار الإنسان بعبوديته أي خضوعه لتلك القوى، وهي علاقة دافعها الخوف والعداء، وتهدف لاتقاء شر ما يعبد، ومنها صارت كلمة "تقوى" مرادفة لكلمة "إيمان" في استخداماتنا حتى الآن، ونستطيع أن نجد ذلك التوجه مستمراً، حتى بعد الانتقال إلى عبادة إله متسام، حين لا نعدم من ينسب ظواهر الطبيعة المدمرة - مثل الزلازل والمد البحري والبراكين – إلى غضب الإله على فجار الناس، ولا تفلح مع من يرون ذلك محاولات توضيح ما في منطقهم من تهافت وتناقض، لأن المصدر الحقيقي لرؤيتهم ليس عقلياً، وإنما هو ناتج عن توجههم نحو الكون، والذي يحدد طبيعة مفهومهم للدين، وعلى هذا النهج أيضاً كان اختراع الإنسان للسحر، الذي به يستطيع أن يحقق ما يريد من تغييرات وتأثيرات فيما حوله من مظاهر تخيفه أو تستعصي على محاولاته لتطويعها.
ليس فقط العنف هو ما يترتب على موقف العداء من العالم، فهناك نتائج أقل حدة، وإن كانت أخطر وأعم تأثيراً، إذ يكون موقف الإنسان من العالم سلبياً، وتقتصر فعالياته الإيجابية على تأمين نفسه من المخاوف التي تسكنه من العالم (هناك حكمة مصرية يقول: دنيا غرورة وزمن كذاب!!)، وذلك بتأمين متطلباته الشخصية، ورغم أن هذا المبدأ وحده كفيل بدفع مسيرة البشرية للأمام، إلا أن الفرق شاسع بين سلوك الإنسان المعادي للعالم وبين سلوك المحب والمتصالح معه، فالأول سيحاول الأخذ من العالم بأي طريقة وبأي أسلوب، ولا يضع في اعتباره ما يترتب على أسلوبه من أضرار للآخرين أو البيئة مثلاً، في حين أن المتصالح مع العالم سوف يسلك في سعيه للحصول على المكاسب ما نسميه بالطرق المشروعة، أو الطرق التي تؤدي لتعمير العالم، وينعكس مردودها إيجابياً على الجميع، لذا نجد المجتمعات التي يسودها توجه العداء للعالم، يكون رجال السلطة والأعمال والصفوة فيها من الانتهازيين والطفيليين، يدمرون الحياة وهم ينتزعون منها ما يريدون، ولا يكون الحال عند القاعدة الجماهيرية أفضل، وإنما مجرد أن قدرة الفرد العادي على التدمير أقل، لكن بالنظر إلى المجموع، يكون التدمير الناتج عن ممارسات القاعدة أكبر.
في حين أن المجتمعات التي يسودها توجه المصالحة تزدهر، فيما كل فرد يسعى لتحقيق صالحة الخاص، وهي بالتحديد المجتمعات التي تطبق الليبرالية والرأسمالية، التي تعتمد الانطلاق بداية من الفرد الحر وليس المجموع، والحادث أن الفرد المحب للكون تتضمن منظومة قيمه واهتماماته قيمة تحسين وتعمير الكون، كجزء عضوي من قيمة تحقيق صالحه الخاص، فيكون سلوكه لتحقيق مصالحه مرتبط ومشروط بقيم المجتمع والحياة عموماً.
من الممارسات التي تنطلق من عداء وجودي أيضاً رغم مظهرها المسالم، الاتجاهات النسكية التي تضطهد الجسد الإنساني وتضعفه، تحت زعم تقوية الروح، وما قد يصاحب تلك الممارسات من أفكار تطهرية، تحط من شأن الجسد واحتياجاته الفسيولوجية والبيولوجية، باعتبارها احتياجات دنيئة، يستحسن التعالي عليها للانطلاق إلى عالم الروح، فهنا العداء للكون يأخذ صورة محاولة التطهر منه، والالتحاق بعالم وكائنات أخرى افتراضية سامية، فهذه النزعات تخاصم العالم والجسد، بزعم مصالحة عالم السماء المتطهر من الجسدانية والمادية، وهي أشبه بفيل يعادي طبيعته وتكوينه، على أمل أن يتحول إلى عصفور، لتكون النتيجة أنه لن يصبح هذا ولا ذاك.
كانت مغامرات الإنسان الميتافيزيقية الأولى إذن مقاربات عدائية الطا



































